أليس في بلاد النفط (الجزء الرابع)
الأثنين 11 سبتمبر / أيلول 2017 20:11
أليس السباعي
أليس في بلاد النفط (الجزء الرابع)
تتأمل الناس حولها، تستغرب سيرهم باطمئنان و هدوء، عائلات، شباب، صبايا، أطفال، الكل يضحك براحة و حرية.
ينتفض جسدها كل فترة، ما زالت أصوات القنابل و البراميل و التفجيرات تسكنها و تأبى مفارقتها، بل ترافقها و تلتصق بها أكثر كلما قررت النسيان، نسيان الحروب كفر لا يُغْتَفَر. ترافقها بكامل قوتها و كأنها حقيقة. هناك في بلدها حقيقة و واقع، تدمر، تميت، تهجّر، تفزع. كانت هناك و ساقها القدر إلى منعطف مصيري.
تنكمش ليلاً في سريرها كجنين، تتذكر أيامها قبل الحرب، تشعر بشوق عارم لحضن أمها التي ودعتها على عجل، و لملمس يد أولادها التي سلمتهم طواعية لطائرة مسافرة إلى والدهم، تناجيهم و ترجوهم أن يحتضنها أحدهم. ليل الغربة وحش يكشر عن أنيابه، تدير ظهرها له و تتناساه و تستقبل بصدرها أشواك الشوق و الحزن.
الليل لا يستسلم و النهار لا يرحم!
كانت تعيش بكل هدوء، تدير روضة أطفال بعد انفصالها عن زوجها و استقالتها من عملها في أحد دول الخليج. عاشت في عالم الأطفال و البراءة لمدة أربع سنوات إلى أن وجدت نفسها وجهاً لوجه مع بشاعة و قماءة الحرب و حتمية الموت و رائحة الدم. وجوه الشهداء المبتسمة تعادل بعض الشيء من هذه القماءة التي عايشتها.
تنام كل ليلة و سؤال معلق بنهاية إشارة استفهام كمشنقة:
" هل أنا جبانة؟"
أيام متشابهة تمر عليها و لا جديد.
مدير الشركة لا يتصل منذ تلك المكالمة الوحيدة و لا يرد على رسائلها.
ضاقت عليها جدران الغرفة و حدود الإمارات الجغرافية تضيق و تضيق، تعلم أن نجاتها متعلقة بالقلم وحده.
تناولت القلم، و كتبت مخطط رواية تتحدث عن واقعية الحرب و تأثيرها على العلاقات الاجتماعية و العائلية في سورية، و الطائفية التي يعلقون عليها كل ما يحدث.
يقولون "المنتصر يكتب التاريخ"و الكفتان اليوم متعلقتان في الهواء، لا ترجح إحدى الكفتان، قررت كتابة حقيقة ما يجري كواحدة من الشعب و ليس كسياسية أو ناشطة أو محللة. أقلام مأجورة كثيرة ستكتب كما القنوات اليوم إعلامها مدفوع و تصرّح حسب أجنداتها. وطنها يستحق أن يكتب عنه أحد لمجرد قول الحقيقة دون أطماع و دون مواربة و بلا تجميل مهما بلغت بشاعتها و مهما كرهتها.
تكتب لتنام
و تصحو لتكتب
تتفاعل مع الشخصيات التي اختلقتها، تبكي معهم و تفرح لهم، تخاف أن يصيبهم أي أذى، إلا أنها رمتهم وسط المعارك عند الخط الفاصل بين طائفتين.
لم تشعر بمضي شهر من مدة الزيارة، بات عليها السعي لهدفها الحالي و ترك المستقبل و ما سيقرؤه المستقبل عن التاريخ, قالت لصديقتها التي قابلتها في أبو ظبي بعد انقطاع منذ التخرج:
"أشعر أن لا مستقبل لهذه الأيام، و لهذا لا يخاف المتحاربون اليوم عما سيكتبه التاريخ عنهم، إنها نهاية النهاية عزيزتي."
استدلت على عنوان شركة الإعلانات من الجريدة نفسها، قررت نشر إعلان طلب وظيفة.
أحضرت الجريدة في اليوم الذي وعدوها فيه بنشر الإعلان، وجدته محشوراً بين زحام إعلانات الاشخاص الذين يزاحمونها في طلب الوظيفة, أبعدتها عنها لترد على اول اتصال بشأن الإعلان:
-" نعم أنا صاحبة الإعلان، اسمي أليس السباعي، خريجة رياضيات و فيزياء و كيمياء و لدي خبرة في التدريس و السكرتارية."
-" أنا السكرتير الخاص للشيخة سيدرة، دعك من كل هذا الكلام، هل تحلمين بمرافقة الشيخة في كل سفراتها و العيش معها و متابعة أعمالها، كل ما عليك فعله موافقتها على كل ما تطلبه."
-" و ماذا قد تطلب؟"
-" انتظري قبل إخبارك عما قد تطلبه، أرسلي لي صورتك و سنتحدث لاحقاً."
لديها حساسية خاصة من إرسال الصور إلا أنها مجبرة، ابتدأت الطريق و يتوجب عليها المضي فيه مهما كلفها، و ما قد يكلفها؟ صورة؟ فلتفترض أنها تمشي في الشارع و يراها الكثير من الناس، عليها التنازل عن بعض تحفظاتها، التقطت لنفسها بعض الصور فهي كانت قد نسيت نفسها شهوراً، لا بل سنوات، أدركت أنها نسيت ابتسامتها.
شفتاها ترفضان التحرك، جفتْ، تيبستْ، أجبرت نفسها على إطالة شفاهها و صوّرت وجهها. أرسلتها له:
-" هل تريدينني أن أصدر لك بطاقة شخصية؟ أرسلي بعض الصور بالطول الكامل، صوراً طبيعية."
احتارت في أمرها، توجهت إلى مطعم الفندق، تناولت الغداء و طلبت من النادل تصويرها بالطول الكامل، كان النادل مرحاً فأضفى على الصور بعض الحيوية. أرسلت بعضاً منها، اتصل على الفور:
-" سوف أحدد لك موعد مقابلة مع الشيخة سيدرة للاتفاق معها، و ليكن في حسبانك أنني أنا من أدبر لها البنات، و لن تتمكني من الوصول إليها دوني."
تغابت عن كلمة "أدبر لها البنات" و قفزت عائدة إلى السؤال العالق بينهما:
-" و لكنك لم تخبرني بما قد تطلبه الشيخة سيدرا؟"
-" كل ما قد يخطر ببالك، عليك مرافقتها ليل نهار، في كل سفراتها و سهراتها، هي تكره الرجال و غير متزوجة و متفرغة تماماً لحياتها و مزاجها."
انحشر سؤال سفيه في حلقها، كلامه و طريقته أجبراهاعلى عدم التغاضي:
-" ممكن سؤال؟ هل من الممكن أن تطلب علاقة جنسية؟"
-" يبدو أنك بدأت تفهمين! لا أدري، و لكنه احتمال قائم لأن البنات دائماً ينامون بالقرب منها."
ابتلعت ريقها، لم يترك لها مجالاً لتفكر، عاد ليقول:
-" أعتقد أنه ليس هناك داعي لأذكرك بالراتب الشهري الضخم و العمولات و القصر الكبير الذي ستقيمين فيه و السفرات و السهرات التي سترافقينها بها."




أخر ما نشر